تطاوين: المعمّرة فاطمة.. طفل يحلم بزيارة الكعبة جددت أسنانها.. تصوم..ومواظبة على الروضة والكتّاب

30 دقيقة – تطاوين- إيناس الأطرش

المعمرة فاطمة، أو كما يناديها الجميع “فطوم” في قرية الرقبة من معتمدية تطاوين الجنوبية.تحتفل قريبا بعيد ميلادها الثاني بعد المائة، وربما يكون أكثر، نظرا إلى تأخر عمليات تسجيل الولادات في تلك الفترة. الجميع يعرفها في قرية “الرُّقْبة”.رافقت أجيالا عدّة إلى الكتّاب وإلى الرّوضة،فحياتها وحلمها الطفولةُ،ورغم أنّها تجاوزت المائة من عمرها إلاّ أنّها لا تزال تحمل محفظتها الصّغيرة وكرّاستها وأقلامها، وأيضا لُمجتها في الكتّاب.زارتها “30 دقيقة” وبحثت في ذكرياتها وحبّها وولعها الشديد بالدّراسة. هي الخالة فطّومة، الجميع ألفها ويعرف قصّتها بمجرّد ذكر اسمها، يدلّك الجميع عليها ويروي لك تفاصيل حياتها وسرّ حبّها لمرحلة التحضيري من الدّراسة. تقول إحدى قريباتها: انطلقت حكاية “فطوم” في النقطة الحدوديّة بذهيبة مسقط رأسها والمكان الذي قضّت فيه فترة شبابها مع عائلتها المتكوّنة من أخ وثماني شقيقات. كنّ يذهبن رفقة والدتهنّ لجلب الماء وينزلن من هضبة عالية لبلوغ البئر.. مشهد شبّهه أهالي المنطقة بدجاجة صحبة فراخها. ولكن شاءت الأقدار أن وقعت حادثة غريبة لإحداهنّ جعلت منها تعاني إصابة ذهنية، تلك هي فطّوم خرجت ذات مرّة خلسة محاولة اللّحاق بأخواتها اللاّتي ذهبن لاقتناء الخبز في الظّهيرة وكانت وقتها في الرّابعة من عمرها ذات ملامح جميلة وشعر أشقر،لكن شاءت الأقدار وداهمتها مجموعة من الكلاب وحصرتها في مكان مقفر في مقبرة فخرج ذلك الملاك الجميل في حالة يرثى لها ومنذ تلك الحادثة تعرّضت فطومة إلى صدمة كبيرة ومن وقتها صارت لا تحبّ إلاّ الأطفال وخاصّة في سنّ ما قبل الدّراسة،كبرت في السّن ولكنّ لم تكبر في العقل بقيت ذاك الملاك الذي لا يشغله شيء سوى حمل حقيبتها الصّغيرة ومرافقة الأطفال إلى الكتّاب أو الروضة.

تحدّثنا إليها فكانت بمثابة الطّفل الرّصين الذي يفهم كلّ شيء ولا يفوته أيّ شيء فهي تحبّ مدرّستها وتعشق الدّراسة،هكذا قالت بكلّ براءة إنّها سعيدة بالعودة المدرسيّة وسعيدة بالأطفال من حولها. تقول المدرّسة:”تأتي فطومة كلّ صباح وتصطحب معها كلّ أطفال القرية،فالجميع يطمئنّ إليها ويعرفها، وحتّى المدرّسات هنا يتعاملن معها كباقي الأطفال ويحسنون معاملتها وبالحديث مع بعض من عائلتها. تقول إحداهنّ بعد أن تعرّضت للحادثة صادف أنّه في نفس السنة توفّيت أمّها فتعهّدت بها أحد أخواتها واعتبرتها بمثابة ابنتها وتكفّلت بها حتّى بعد الزواج ومنذ ذلك الحين صار الجميع يعرفها هنا فهي لا تؤذي أحدا، تفهم كلّ شيء وتقوم بواجباتها الدّينيّة فهي تصلّي وتصوم رمضان كاملا، ورغم تقدّمها في السّن فهي تحرص على الذّهاب إلى كتّاب القرية وتجد متعة كبيرة في ذلك”. تعيش هذه السّيدة في كنف الرّعاية والإحاطة من قبل أقاربها. تحلم دائما بزيارة بيت الله،الكلّ هنا يحبّها ويجود عليها بكلّ ما أمكن فهي البركة التي تحيط بهذا المكان والكلّ هنا يتمنّى أن يستجيب الله لدعائها وتزور بيته، مع العلم أنّهاتتمتع بصحة جيدة ولا تعاني إلا من نقص قليل في البصر وقد برزت لها أسنان جديدة مكان التي فقدتها. ورغم تقدمها في السن عجزت عائلتها عن إقناعها بالإفطار خلال شهر رمضان. وبخصوص ذاكرتها فإنها مازالت جيدة وتتذكر كل صغيرة وكبيرة سواء بالنسبة إلى ماضيها أو الحقبات التاريخية التي عاشتها بلادنا فهي لازالت تتذكر تفاصيل تنقلهامن المنطقة الحدودية الذهيبة في اتجاه ليبيا خوفا من المستعمر الفرنسي آنذاك وكيف كانت تتنقل مع والدتها وأخواتها..وبخصوص وضعها الحالي فإنها تقضي أغلب وقتها إما بالبيت وتقوم كل يوم بزيارة أقاربها في نفس الحي دون مساعدة أحد.تتميز بالهدوء وتسعد كثيرا بزيارة من تحبهم خاصة من الأطفال ولا تشكو من أيّ مرض ولم تزر الطبيب إلا مرّة واحدة. قصّة طريفة لمسنّة تختفي وراء تجاعيد وجهها ملامح طفوليّة وبراءة صادقة تجعل من شغلها الشّاغل الذّهاب إلى الرّوضة ومحاولة إرضاء معلّمتها بشتّى الطرق،رفاقها الصّغار وحلمها زيارة الكعبة مثل الكبار.

Réagir sur l'article

Veuillez saisir votre commentaire
Veuillez saisir votre nom