“الهجرة بين الأمس و اليوم و “سبحان من غير الأحوال

الهجرة

30 دقيقة فتحي غداس 

تغير العالم و تغيرت فيه جميع الموازين بما فيها المبادئ و القيم و سبحان من غير الأحوال  , ففي زمن ليس بالبعيد كنت أرتحل من مكان الى اخر في هذا العالم من أجل الدراسة و العمل و أيضا للسياحة و لم افكر في يوم ما ان لا اتحصل على تأشيرة  او ان اجد صعوبة  في الدخول لاي بلد غربي او عربي حتى استقرت بي الحياة في فرنسا كحال العديد من ابناء بلدي ولازلت اعيش فيها و تزوجت و انجبت و لم افكر في يوم ما بطلب الجنسية ( لماذا افكر في الجنسية و انا التونسي الفخور ببلده و دينه و هويته ).

انتهى هذا الزمن و اصبح العالم اليوم يقفل الابواب و يسد جميع المنافذ و اصبح الذهاب الى هذه البلدان امرا مستحيلا حيث كثرت فيه الشعبوية القومية التي تدعو الى  الذود عن الهوية الغربية و طرد الاجنبي .

فاصبح ابناء بلدي كالفئران في المصيدة لا مفر لهم فيرمون بانفسهم في عرض البحر راجين من الله بان يرميهم على شواطئ السلام بالبلدان الغربية غير مكترثين بالمخاطر او بما يكنه لهم الغرب من كره.

في كل مناسبة اقوم بها لزيارة وطني الا و اتطرق لظاهرة الهجرة  التي يسعى اليها الجميع مهما كانت تكاليفها و اصبح هم الناس كيف يؤمنون مستقبل ابنائهم لان لا مستقبل لهم في بلدهم حسب رأيهم فالكل  يحاول ان يتدبر كيف يرحل و كيف يتحصل على الجنسية الاجنبية منهم من يتزوج بعجوز و منهم من يستقر مع زوجته بعض الاشهر لينجب اطفالا يحملون الجنسية التي تمكنهم من الاقامة.

كل هذه التغيرات السريعة ناتجة عن سوء التصرف السياسي في بلدي و مازادني حزنا و ادمى قلبي عندما التقيت باحد نواب الشعب من جهتي في شوارع باريس فبعد التحية قمت بدعوته لاحتساء فنجان قهوة في احدى المقاهي  و عند تبادلنا اطراف الحديث سألته عن سبب زيارته لباريس ان كان للسياحة او للعمل فكان جوابه صادما لي و هو يقول لي بالحرف الواحد ” جبت الذرية بش يقروا هنا …” فسالته عن اعمارهم فاجابني قائلا ” مازالو صغار في عمر 14 و 12 سنة  ..جبتهم بش ننقذهم قبل ما يفوت الفوت …” فقلت له من اي شئ تنقذهم ؟؟؟ فرد قائلا ” يا خويا الدراسة في تونس حموم و معادش توصل هنا عالاقل يدبرو اوراقهم كان ما مشاتش معاهم القراية ..”

فقلت في نفسي مسكينة تونس ان كان سياسيوها و نائبي الشعب يفكرون بهاته الطريقة فكيف لي ان الوم المواطن البسيط الذي يفكر في الهجرة .

 ولايمكنني ان اختم كتابتي هذه دون التطرق  ايضا الى ظاهرة خطيرة انطلقت في الجنوب التونسي و ليس لي معلومات ان كانت هذه الظاهرة متفشية في المناطق الاخرى و لكن اعدكم بمواصلة البحث .

هذه الظاهرة تتمثل في اولياء ياتون باولادهم القصر بعد حصولهم على التاشيرة قصد السياحة في باريس ثم يعود الولي الى ارض الوطن تاركا ابنه القاصر في الشارع او امام احدى الجمعيات المختصة بايواء الاطفال المتشردين بعد ان يلقن ابنه ماذا يقول حتى يتمكن من اقناع الجمعية من احتضانه او ايداعه في احدى الحضائن .

و بذلك يرى الولي انه بتصرفه هذا قد قام بتأمين مستقبل ابنه دونما اكتراث بالعواقب الوخيمة التي ينجر عنها هذا الفعل المشين و لم يبقى لي الا ان اتوجه الى هذه الفئة و اقول لهم ” كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ..”.

Réagir sur l'article

Veuillez saisir votre commentaire
Veuillez saisir votre nom